تتناول محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها بتاريخ الجمعة 6 ربيع الثاني 1448هـ موضوع الكمالات النفسية في أدعية أهل البيت عليهم السلام، انطلاقاً من الدعاء المنقول عن الإمام زين العابدين عليه السلام: «اللهم اجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك...». وترى أن فقرات هذا الدعاء ترسم مجموعة من الصفات النفسية والأخلاقية الرفيعة التي ينبغي أن تتحلى بها النفس المؤمنة في علاقتها بالله تعالى.
فالدعاء يجمع بين الاطمئنان بالقدر، والرضا بالقضاء، والتعلق بذكر الله ودعائه، ومحبة أوليائه، والصبر عند البلاء، والشكر للنعم، والشوق إلى لقاء الله، والتزود بالتقوى، والتأسي بالأولياء، ومفارقة أخلاق أعداء الله، والانشغال عن الدنيا بالحمد والثناء. وهذه ليست مجرد معانٍ نظرية، وإنما كمالات نفسية وأخلاق عملية تنشأ عن علاقة واعية بالله تعالى.
وتؤكد المحاضرة أهمية التدبر في أدعية المعصومين عليهم السلام وعدم الاكتفاء بقراءتها، لأنها مدرسة لتربية النفس وفهم حقيقة العلاقة بالله. وكلما ارتقى الإنسان في سلم التكامل الروحي ازداد شوقاً إلى المناجاة والذكر والدعاء والشكر.
ثم تركز المحاضرة على أولى صفات الدعاء، وهي الاطمئنان بالقدر الإلهي. فالإنسان بطبيعته يبحث عن الطمأنينة، بينما يمثل القلق نقيضها. والاطمئنان مرتبة نفسية عالية يصل إليها من يسلم أمره لله بصدق ووعي، فيستقر قلبه أمام ما يجري عليه؛ فإن جاءه ما يحب شكر، وإن جاءه ما يكره صبر ولم يعترض على الله.
ولا يقوم هذا الاطمئنان على السلبية، بل على يقين المؤمن بأنه عبد لله، وأن تدبير الله له قائم على الحكمة. وتستشهد المحاضرة بما روي عن الإمام الحسن عليه السلام حين نُقل إليه قول أبي ذر إن الفقر أحب إليه من الغنى والمرض أحب إليه من الصحة، فبيّن الإمام مرتبة أعلى تتمثل في الثقة بحسن اختيار الله، بحيث لا يتمنى الإنسان حالاً غير الحالة التي اختارها الله له.
وتناقش المحاضرة بعد ذلك مفهوم القدر، موضحة أنه من الموضوعات الدقيقة التي ينبغي عدم الخوض فيها بما يتجاوز قدرة الإنسان على الفهم. وتعرض بعض معانيه الواردة في النصوص، ومنها التقدير والهندسة وتحديد الخصائص والحدود، ثم تخلص إلى أن التقدير الإلهي يعني أن الله وضع للكون والإنسان سنناً وقوانين وحدد للإنسان طريق الهداية، مع إبقاء قدرته على الاختيار.
ومن هنا تؤكد المحاضرة أن الإيمان بالقدر لا يعني الجبر. فالإنسان يتحرك باختياره داخل السنن الإلهية، وقد هداه الله إلى طريقي الخير والشر ومنحه القدرة على التمييز والاختيار. وتستشهد بكلام أمير المؤمنين عليه السلام في رفض تصور «القضاء اللازم والقدر الحاتم» الذي يبطل المسؤولية؛ لأن ذلك لو صح لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد.
كما تعرض الرواية عن الإمام زين العابدين عليه السلام التي تشبه القدر والعمل بالروح والجسد، للدلالة على الترابط بين التقدير الإلهي والفعل الإنساني.
وتنتهي المحاضرة إلى أن الإنسان ليس مستقلاً عن إرادة الله، وفي الوقت نفسه ليس آلةً مسيّرة بلا اختيار. فقد منحه الله القدرة والعقل والتمييز، وبيّن له الخير والشر، وجعل أمامه الوعد والوعيد، ثم ترك له الاختيار ضمن نظامه وسننه. وبذلك يجتمع الاطمئنان بقدر الله مع المسؤولية الإنسانية والعمل الواعي.


