تستكمل محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها يوم الجمعة 28 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 11 ايلول 2026م الحديث عن أسباب الجفاف الروحي في ضوء المناجاة المنقولة عن الإمام زين العابدين عليه السلام، التي يشكو فيها العبد إلى الله من حاله حين يتهيأ للعبادة ثم يغلبه النعاس والفتور، أو يتهيأ للمناجاة ثم يفقد لذتها وحضورها. وتعرض المناجاة مجموعة من الأسباب المحتملة لهذه الحالة، لتتحول إلى منهج لمحاسبة النفس وتشخيص أمراضها.
فمن تلك الأسباب أن يكون الإنسان قد فقد أهليته للحضور الروحي بسبب أمراض نفسية أو فكرية أو أخلاقية، أو بسبب الذنوب التي تراكمت على قلبه. ومنها الاستخفاف بحق الله، أي عدم الاهتمام الجاد بأوامره ونواهيه والتهاون بها، وهو من الذنوب الخطيرة لأنه يكشف ضعف تعظيم الإنسان لله.
ومن الأسباب أيضاً الإعراض عن ذكر الله؛ فالإعراض ليس مجرد نسيان عابر، بل حالة من الصدود والانغلاق، تجعل الإنسان يستثقل الصلاة والدعاء والقرآن. ويترتب عليه ضيق الحياة وتحمل الأوزار والابتعاد عن النور الإلهي.
ثم تتناول المحاضرة ضعف الصدق والإخلاص، إذ قد يؤدي الإنسان عباداته من غير حضور حقيقي ولا صدق في التوجه، بينما العمل غير الخالص لا يفتح للإنسان أبواب القرب. ويرتبط بذلك عدم شكر النعم؛ فالشكر الحقيقي ليس كلمة باللسان فقط، وإنما ارتباط بالله بالقلب واللسان والجوارح، فإذا فقد الإنسان الشكر ضعف ارتباطه بالله وظهر الجفاف في حياته الروحية.
ومن الأسباب المهمة كذلك الانقطاع عن مجالس العلماء الربانيين؛ والمقصود العلماء الذين يصدق فعلهم قولهم ويذكرون الناس بالله. فمجالس هؤلاء ترقق القلب وتزيد اليقين والإخلاص والتواضع والنصيحة، بينما يؤدي الانقطاع عنهم إلى فقدان مورد من موارد الإحياء الروحي.
وتقف المحاضرة عند الغفلة بوصفها سبباً مركزياً للجفاف. فالغافل يعيش حالة انصراف عن الله، حتى تتعطل حواسه المعنوية؛ فيبصر ولا يعتبر، ويسمع ولا ينتفع، ويفكر ولكن في غير ما يقربه إلى الله. وتؤكد المحاضرة أن الغفلة قد تكون أشد من السكر، لأنها تحجب الإنسان عن حقيقة نفسه وعن ربه، كما أنها تورث قسوة القلب وفساد الأعمال.
ويتصل بذلك مجالسة البطالين الذين يضيعون أوقاتهم بلا هدف، ويجرّون غيرهم إلى اللهو واللغو. ولذلك تؤكد المحاضرة ضرورة اختيار الجليس الذي ينتفع الإنسان بعلمه أو ينفعه هو بعلمه، والابتعاد عن المجالس التي تهدر العمر وتزيد الغفلة.
ومن أسباب الجفاف كذلك عدم تفريغ القلب لله؛ فقد يدعو الإنسان بلسانه بينما قلبه مشغول بالدنيا. فالدعاء الحقيقي يحتاج إلى حضور القلب وتوجهه إلى الله.
ثم تأتي الذنوب بوصفها من أخطر الأسباب؛ لأنها تترك على القلب ريناً متراكماً، حتى ينقلب إدراك الإنسان فيرى الباطل حقاً والحق باطلاً.
وتختم المحاضرة بسبب مهم هو قلة الحياء من الله. فالحياء ثمرة استشعار رقابة الله ومعيته، وهو من علامات الإيمان. ومن يستحي من الله يبتعد عن المعصية ولو خلا بنفسه، لأن مراقبة الله حاضرة في قلبه. وهكذا يصبح علاج الجفاف الروحي قائماً على محاسبة النفس، وتجديد الذكر، وصحبة الصالحين، وتطهير القلب، والإخلاص، والشكر، والحياء من الله.


