التدبر في عواقب الأعمال لإصلاح النفس

تبحث محاضرة الشيخ جميل الربيعي في جانب مهم من جوانب مجاهدة النفس، وهو “التدبر في عواقب الأعمال قبل الإقدام عليها”، باعتباره من أهم وسائل تهذيب النفس وإصلاحها. ويُقصد بالتدبر أن يفكر الإنسان العاقل مليّاً قبل أن يقدم على أي عمل، سواء كان قولاً أو فعلاً أو مشروعاً فكرياً أو اجتماعياً أو مادياً، فيدرس نتائجه الحاضرة والمستقبلية، وما يترتب عليه من ربح أو خسارة، صلاح أو فساد.

وتوضح المحاضرة أن العقلاء في حياتهم العملية لا يتحركون بعشوائية، بل يمرّون بثلاث مراحل: التفكير أولاً، ثم التخطيط الدقيق، ثم التنفيذ بعد دراسة النتائج والعواقب. ولذلك فإن الإنسان لو تعوّد أن يفكر قبل أن يتكلم أو يكتب أو يتصرف، لقلّت أخطاؤه إلى حد كبير.

ومن هنا تؤكد النصوص الإسلامية أهمية هذا المبدأ، وتستشهد المحاضرة بوصية النبي صلى الله عليه وآله لذلك الرجل الذي طلب منه الوصية مراراً، فقال له: “إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن يك رشداً فامض به، وإن يك غياً فانته عنه”. وهذه الوصية تمثل قاعدة عامة في السلوك الإنساني، إذ تجعل الإنسان يزن الأعمال قبل الوقوع فيها، فينجو من الندم والعواقب السيئة.

كما تشير المحاضرة إلى أن كثيراً من الناس يتعاملون مع الكلمات والمواقف بسطحية واندفاع، مع أنهم إذا أرادوا بناء غرفة أو مشروع مادي استعانوا بالمخططات والمهندسين والدراسة الدقيقة، بينما “بناء النفس” وهو أعظم من بناء الحجر، يُترك أحياناً بلا تخطيط أو تفكير.

ثم تنتقل المحاضرة إلى كلمات أمير المؤمنين عليه السلام التي تؤكد هذا المعنى، ومنها قوله: “التدبر قبل العمل يؤمنك من الندم”، وقوله: “ومن تورط في الأمور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفظعات النوائب”. فالتفكير في النتائج والعواقب يحمي الإنسان من التهور والوقوع في المشكلات.

وتؤكد المحاضرة كذلك أن التجارب الإنسانية مدرسة للتعلم، وأن الإنسان العاقل هو الذي يعتبر من تجاربه وتجارب غيره، لأن “في التجارب علم مستأنف”، كما أن “تقلب الأحوال” يكشف معادن الناس وحقائقهم النفسية والأخلاقية.

بعد ذلك تنتقل المحاضرة إلى وسيلة أخرى من وسائل مجاهدة النفس، وهي “الجدية في إصلاح النفس”. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بمجرد سماع المواعظ أو حضور الدروس، بل يحتاج إلى إرادة داخلية صادقة تدفع الإنسان إلى التغيير. ولهذا تؤكد المحاضرة أن الإنسان إذا لم يرد إصلاح نفسه، فلن يستطيع أحد إصلاحه مهما كثرت النصائح.

وتوضح أن للإنسان ظاهراً وباطناً، وأن ما يضمره في داخله ينعكس على سلوكه وكلامه وتصرفاته، ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام: “ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه”. فالأخلاق والسلوكيات الظاهرة إنما تكشف حقيقة الباطن النفسي والروحي.

وتشير المحاضرة إلى أن الأنبياء والأئمة والمصلحين لا يستطيعون تغيير من لا يمتلك إرادة ذاتية للإصلاح، مستشهدة بمن عاشوا مع النبي صلى الله عليه وآله سنوات طويلة ثم انحرفوا عنه، لأنهم لم يملكوا الدافع الداخلي الحقيقي.

ومن هنا تؤكد كلمات أمير المؤمنين والإمام الباقر عليهما السلام أن الموعظة الخارجية لا تنفع من لا يملك “واعظاً داخلياً” يردعه ويقوده إلى الخير. فالإنسان إذا جعل من نفسه رقيباً وواعظاً، أعانه الله تعالى ووفقه للإصلاح، أما إذا غلبت عليه الدنيا والشهوات فلن تؤثر فيه كثرة المواعظ والخطب.

وتختتم المحاضرة بالتأكيد على أن مجاهدة النفس تقوم على التدبر، ومحاسبة الذات، والجدية في الإصلاح، وعدم التورط في الأعمال بلا تفكير، لأن تهذيب النفس هو الطريق الحقيقي للفلاح في الدنيا والآخرة.

التدبرعواقب الأعمالمجاهدة النفسإصلاح النفسالإرادةالوعظ الذاتيتهذيب النفسالتخطيطالأخلاق

أقرأ أيضاً

شروط مجاهدة النفس عند الإمام الخميني-3

شروط مجاهدة النفس عند الإمام الخميني-3

تتناول المحاضرة الشرط الأخير من شروط مجاهدة النفس عند الإمام الخميني، وهو السيطرة على الخيال والخواطر. وتوضح أن النفس تتعرض لخواطر رحمانية وشيطانية، وأن الإنسان مطالب بتوجيه ذهنه نحو المعاني الشريفة، واستحضار العبودية لله، والاستعانة به لضبط الفكر وتحقيق حضور القلب والطهارة الباطنية.

موقف الإسلام من الحياة الدنيا

موقف الإسلام من الحياة الدنيا

إن الإسلام لا يرفض الدنيا ولا يدعو إلى الانقطاع عنها، كما لا يسمح بالاستغراق في لذاتها. بل يقدّم رؤية متوازنة تجعل الدنيا مزرعة للآخرة ومجالاً للمسؤولية والعمل والابتلاء، فيجمع الإنسان بين حاجاته المادية ومطالبه الروحية، ويستثمر الحياة طريقاً للكمال والقرب من الله.

قبضة الهدى في كلام الآصفي

قبضة الهدى في كلام الآصفي

وصف لشهداء قبضة الهدى الشيخ عارف البصري وأخوته الأبرار