كلمة للشيخ محمّد مهدي الآصفيّ حول شهداء قبضة الهدى:
وكوكبة من الشباب في طهر الملائكة، وصمود الأبطال، ووعي الصدّيقين هبّوا لنصرة الإسلام على أرض الرافدين، في جوار علي والحسين ‘، وصنعوا في فترة قصيرة ما عجز عنه الكثير، وأعادوا إلى حياتنا الخاملة مرّة أخرى ذكرى مصارع الشهداء في (بدر) و(أحد) و(مرج العذراء) و(الطف) و(الفخ).
خرقوا سكون الليل بدويّ صرخاتهم، وأقلقوا مضاجع الطواغيت بحركتهم، وشوَّشوا عليهم أحلامهم؛ صمدوا صمود الأبطال، واعتنقوا أعواد المشانق، وذهبوا خفافاً للقاء الله، بموازين ثقيلة من الأعمال الصالحة.
احتقروا الدنيا، فصغر في عيونهم كبرياء المستكبرين، فازدروهم واحتقروهم، وتمرّدوا عليهم، وخرجوا على سلطانهم وجرحوا كبرياءهم، واستنشقوا في دنيانا روائح الجنة، فطاب لهم الرحيل، واشتاقوا إلى لقاء الله.
تلقتهم الدَّعوة الإسلامية في أيام الصّبا في مدارسهم، حيث كان يلهو أترابهم بما يلهو به المراهقون في أعمارهم، وودَّعتهم عند أعواد المشانق لتستقبلهم حور العين في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
من هم هؤلاء الفتية الَّذين غيّروا وجه العراق، والّذين شقّوا طريق الفداء لمن يليهم من الأجيال، وعلّموا المرتابين درس الإيمان، وضعاف الناس درس القوة، والجازعين درس الصَّبر والمنهمكين في الدُّنيا درس التضحية والشهادة.
إنَّهم فتية آمنوا بربهم، فزادهم الله هدى، هجروا دنيا الناس، التي تزهو لأمثالهم بالمستقبل، والبشر والدعة، والعافية، وازدروا هذه الدنيا، التي تتمّ فيها أسباب العافية والدعة على حساب الأصول والقيم والمبادئ، وآثروا رضوان الله على ما عند الناس من أسباب الحياة الدنيا، فآواهم الله تعالى عنده، ودعاهم إليه، وآثرهم بما عنده في جنة عالية عرضها السماوات والأرض، ورضي عنهم ورضوا عنه، ورضوان من الله أكبر من كل شيء.
قطعوا الطريق الطَّويل الذي يقطعه السالكون إلى الله في عمر طويل في سني المراهقة والشباب، وانتزعوا أنفسهم عن الدنيا، وهي حلوة خضرة في عيون ونفوس أمثالهم وأترابهم من الشباب، فأقلعوا عن هذه الدنيا إلى الله خفافاً بموازين ثقيلة.
واجهوا الواقع الفاسد في مجتمعهم بوعي، وصبر، وعمل، وثقة مطلقة بالله تعالى ومعيته للعاملين، وقاموا الله مثنى وفرادى ضد حكم الطاغوت، ويدعون إلى تحكيم رسالة الله تعالى وحدوده وشريعته في أرضه وعباده، فأشفق عليهم الناصحون والأصدقاء، واستهزأ بهم الساخطون والأعداء، فأعرضوا عن هؤلاء وأولئك، ومضوا في طريقهم واثقين بمعية الله تعالى وتأييده لهم، وإن الله تعالى لن يتخلّى عنهم، ولن يتركهم لشأنهم طرفة عين.
مضوا على طريق الأنبياء، وسنن المرسلين، وهدي الصّدّيقين، وقد وطّنوا أنفسهم لما لاقاه الأنبياء والمرسلين والصّدّيقين والعاملين في سبيل الله من قبل من عناء، وعذاب، ومطاردة، وتشريد، واضطهاد...
وإنا لنقرأ التأريخ فنعي كيف صنع الإسلام من عناصر تلك البيئة الجاهلية، البدوية القاحلة رجالاً من أمثال أبي ذر وعمار والمقداد ومصعب... وها هو التاريخ يعيد نفسه ليصنع من عناصر هذه البيئة الخاملة، والراكدة أبطالاً من أمثال الشيخ عارف البصري والسيد حسين جلوخان والسيد عز الدين القبانجي والسيد عماد الدّين التبريزيّ والسيد نوري طعمة، وأمثالهم من أبطال الحركة الإسلامية والجهاد الإسلامي، الذين تفتَّحوا في مجتمعنا تحت وهج الإسلام على الجهاد والتضحية والفداء.
تلك هي معجزة الإسلام في انتزاع الناس من الركون إلى الدنيا، والإسفاف إلى الأرض للعروج إلى الله في حركة خاطفة سريعة، وهذه المعجزة تتكرر في التاريخ كلما عرضنا أنفسنا للإسلام، وكلما انتزعنا أنفسنا من أهوائنا وذواتنا ووهبناها الله تعالى، وتلك هي معجزة الإسلام في تفجير الطاقات الكامنة في النفس، واستخراج الكنوز التي أودعها الله تعالى بين جنبي الإنسان وتحريك المجتمع، وتحويل الضعف إلى قوة، واليأس إلى أمل، والخوف إلى شجاعة، وإقدام.
إن الإنسان خليفة الله في الأرض، وقد أودع الله بين جنبيه من كنوز الوعي، واليقين، والحركة والعطاء والإبداع، والتحريك، والقيم ما لا حدَّ له، فإذا خرج الإنسان من دائرة الهوى وقبضة الطاغوت إلى رحاب الإسلام، فجَّر الإسلام في نفسه هذه الكنوز من القيم، والأخلاق، والوعي، والضمير، والحركة، والعطاء، وفكَّ من وعيه وضميره وقلبه الإصرَ والأغلال: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: الآية ١٥٧)؛ وإذا خرج من رحاب الإسلام ودخل في دائرة الهوى فقد سقط في قبضة الطاغوت يتولى أمره يخرجه من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر.
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} (البقرة: الآية ٢٥٧).
وهؤلاء الفتية هجروا الباطل، وآووا إلى الحقّ، فآواهم الله، وأيّدهم بنصره، وآتاهم من عنده رشداً وبصيرة، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وربط على قلوبهم، {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا}، ونشر لهم ربهم من رحمته، وهيّأ لهم من أمرهم مرفقاً.
وأمثال هؤلاء الفتية كثير في عصرنا الذي شاء الله تعالى أن تنفتح فيه بركات السماء على الأرض، وتعمر الأرض بدعوتهم وذكرهم وقيامهم وحركتهم وخلافتهم الله على وجه الأرض، وإمامتهم للمتقين.
