موقف الإسلام من الحياة الدنيا

تتناول محاضرة الشيخ جميل الربيعي موقف الإسلام من الحياة الدنيا، وتطرح سؤالاً أساسياً: هل ينظر الإسلام إلى الدنيا نظرة سلبية تدعو إلى تركها ورفض لذائذها والانقطاع للعبادة، أم أنه ينظر إليها نظرة إيجابية متوازنة تجمع بين المادة والروح؟ وتجيب المحاضرة بأن الإسلام لم يقف من الدنيا موقف الرفض المطلق، ولم يجعل غاية الإنسان أن يترك الحياة، بل أراد أن يحرره من الاستغراق فيها والخضوع لأهوائها.

وتوضح المحاضرة أن المشكلة ليست في الدنيا ذاتها، ولا في الأكل والشرب واللباس والزواج والعمل، فهذه كلها مطالب مشروعة وهبها الله للإنسان. إنما المشكلة في أن تتحول الدنيا إلى محور الحياة وقطب الرحى، بحيث يدور الإنسان معها حيث دارت، وينسى هدفه الأخروي ومسؤوليته المعنوية. لذلك وضع الإسلام عقائد ومفاهيم وأحكاماً تنظّم حركة الإنسان، وتمنعه من الارتماء الكامل في الماديات أو الانقطاع الكامل عنها.

وتؤكد المحاضرة أن الإسلام يدعو إلى الموازنة بين المطالب المادية والمطالب الروحية. فليس من منهجه أن يترك الإنسان دنياه لأجل آخرته، ولا أن يترك آخرته لأجل دنياه. فالدنيا والآخرة في التصور الإسلامي ليستا حقيقتين منفصلتين تماماً، بل الدنيا طريق ومزرعة ومقدّمة للآخرة، والعمل فيها يمكن أن يكون وسيلة للكمال إذا وُجّه نحو الله.

وتستشهد المحاضرة بمعنى الروايات التي تؤكد أن خير الناس ليس من يترك الدنيا للآخرة أو الآخرة للدنيا، بل من يأخذ منهما معاً، لأن إحداهما وسيلة للأخرى. كما تشير إلى معنى: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً”، لتأكيد ضرورة الجمع بين السعي العملي والاستعداد الأخروي.

وتبيّن المحاضرة أن العمل في الدنيا ليس منفصلاً عن عمل الآخرة، بل هو إعداد وتمهيد لما بعدها. فالإنسان يعمل ويتعلم وينتج ويتزوج ويعمر الأرض، لكنه يفعل ذلك بوصفه خليفة لله ومسؤولاً عن نفسه ومجتمعه. ومن هنا لا يحق له أن ينعزل عن الحياة ويترك مسؤولياته، لأن الإسلام يريده فاعلاً ومؤثراً، لا عبئاً على الناس.

وتعرض المحاضرة ثلاثة مواقف للإسلام من الدنيا: الموقف النظري، وهو اعتبار الدنيا مرحلة من مراحل حياة الإنسان وليست كل الحياة؛ والموقف التشريعي، وهو السماح باستغلال نعم الله وخيراته ضمن حدود الشريعة ومصالح الإنسان؛ والموقف الأخلاقي، وهو تحرير القلب من التعلق المرضي بالدنيا والشهوات.

كما تؤكد المحاضرة أن الدنيا دار ابتلاء ومسؤولية، يختبر فيها الإنسان اختياره بين الخير والشر، وهي في الوقت نفسه دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومتجر أولياء الله الذين اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا الجنة.

وتخلص المحاضرة إلى أن الإسلام لا يذم الدنيا بما هي خلق إلهي أو مجال للعمل، بل يذم الاغترار بها والاستغراق في شهواتها. أما الدنيا الواعية فهي طريق إلى الآخرة، ومتاع للسفر، ومدرسة يتعلم فيها الإنسان المعرفة والفضيلة، ويستعد من خلالها للقاء الله.

الدنياالحياة الدنيالعب ولهوزينة وتفاخر

أقرأ أيضاً

قبضة الهدى في كلام الآصفي

قبضة الهدى في كلام الآصفي

وصف لشهداء قبضة الهدى الشيخ عارف البصري وأخوته الأبرار

معرفة الإمام قبل زيارته

معرفة الإمام قبل زيارته

يبيّن هذا النص أن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) لا تقتصر على الحضور الجسدي، بل تتحقق حقيقتها بمعرفته حق المعرفة والاقتداء به.

وبالإخلاص يكون الخلاص

وبالإخلاص يكون الخلاص

يستعرض هذا الطرح مفهوم الإخلاص في الإسلام كمنهج لبناء الإنسان داخلياً، من خلال تهذيب النفس وتوجيهها نحو رضا الله. ويؤكد أن العمل الصالح لا يكتسب قيمته إلا بالإخلاص، وأن تزكية النفس هي الأساس لتحقيق الكمال الروحي والسعادة في الدنيا والآخرة.