وبالإخلاص يكون الخلاص

((وَما أُمِروا إِلا لِيَعْبُدوا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدّينَ حُنَفاءَ وَيُقيموا الصَّلاةَ وَيُؤْتوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دينُ الْقَيّمَةِ)).

في النّفس الإنسانيّة عجائب من الأسرار الخفيّة، بما تحمله من أهواء متشعّبة ماديّة ومعنوية، وطموحات عريضة؛ لتحقيق متطلّبات الهوى، هذا من جانب، ومن جانب آخر تحتوي على جنبة خير، وهي الجنبة العقليّة التي تصارع تلك الأهواء. يقول تعالى: ((وَنَفْسٍ وَما سَوّاها ، فَأَلْهَمَها فُجورَها وَتَقْواها ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها)).

فغريزةُ حبّ الظّهور، والتّسلّط، والتّملّك، وحبّ الجاه، والسّمعة، وغيرها من الغرائز الأخرى ممّا يشمله حبّ الذّات بكلّ أبعادِها غرائزُ مخفيّة في طيّات النَّفس، ولا يمكن التّحكّم بها إلا بـ(تركيز التّفسير الواقعيّ للحياة، وإشاعة فهمها في لونها الصّحيح، كمقدّمة تمهيديّة إلى حياة أخرويّة، يكسب الإنسان فيها من السّعادة على مقدار ما يسعى في حياته المحدودة هذه في سبيل تحصيل رضا الله. فالمقياس الخُلُقي - أو رضا الله تعالى - يضمن المصلحة الشّخصيّة، في نفس الوقت الّذي يحقّق فيه أهدافه الاجتماعيّة الكبرى.

فالدّين يأخذ بيد الإنسان إلى المشاركة في إقامة المجتمع السّعيد، والمحافظة على قضايا العدالة فيه الّتي تحقّق رضا الله تعالى؛ لأنَّ ذلك يدخل في حساب ربحه الشَّخصي ما دام كلّ عمل ونشاط في هذا الميدان يُعَوَّضُ عنه بأعظم العوض وأَجَلّه).

إنَّ الإسلام العظيم بكلّ متبنّياته الفكريّة، والأخلاقيّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة يهدف إلى صياغة إنسان متحكّم في أهوائه النّفسيّة، وموجّه لها نحو سلّم الكمال، والسّمو من خلال المفاهيم التي يحملها؛ ليصرف طاقاته النّفسيّة في سبيل تجسيد تلك المفاهيم كواقع موضوعيّ حيّ من خلال سلوكه المتمثّل بالأعمال الصالحة التي ترتقي به رويداً رويداً إلى لقاء الله ((فَمَنْ كانَ يَرْجو لِقاءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبّهِ أَحَداً)).

ولقاء الله - وهو أسمى تطلّعات المؤمن وأرقى أمنياته - لا بدَّ له من مقدّمات تمهيديّة وإعداد تكامليّ يهيئ الإنسان نفسه بها؛ ليكون لائقاً للحضور في ساحة القدس الأعظم، وهذه المقدّمات بعد الإيمان الصحيح، والاعتقاد السّليم، هي العمل الصّالح، ومضمونه، وجوهره هو التّحرّك في طريق الله؛ لنيل رضاه تعالى بتحقيق إرادته فقط، ولا يكون العمل صالحاً بكلّ ما للكلمة من معنى إلا إذا كان مجرّداً عن أيّ دافع آخر غير طلب رضا الله، والتّقرّب منه؛ أي أن لا يشرك في القصد والعمل أحداً مع الله، فقيمة العمل إذن تكتسب من خلال الدّوافع التي تكمن وراءه؛ وذلك لأنَّ (الإسلام يريد أن يصنع الإنسان نفسه صنعاً إسلاميّاً فهو يتبنّى لأجل ذلك تربية هذا الإنسان، ويستهدف قبل كلّ شيء محتواه الدّاخلي والرّوحي وفقاً لمفهومه).

كما يتعهّد (بتربية أخلاقيّة خاصّة، تُعنى بتغذية الإنسان روحياً، وتنمية العواطف الإنسانيّة، والمشاعر الخُلُقيّة فيه. فإنَّ في طبيعة الإنسان - كما ألمعنا سابقاً - طاقات واستعدادات لميول متنوّعة: بعضها ميول ماديّة تتفتّح شهواتها بصورة طبيعيّة كشهوات الطعام والشّراب والجنس، وبعضها ميول معنويّة تتفتّح وتنمو بالتّربية والتّعاهد؛ ولأجل ذلك كان من الطّبيعي للإنسان - إذا تُرِك لنفسه - أن تسيطر عليه الميول الماديّة؛ لأنَّها تتفتّح بصورة طبيعيّة، وتظلّ الميول المعنويّة واستعداداتها الكامنة في النّفس مستترة.

والدّين باعتباره يؤمن بقيادة معصومة مسدَّدة من الله، فهو يوكل أمر تربية الإنسان وتنمية الميول المعنوية فيها إلى هذه القيادة وفروعها، فتنشأ بسبب ذلك مجموعة من العواطف والمشاعر النّبيلة، ويصبح الإنسان يحبّ القيم الخُلُقيّة والمثل الّتي يربّيه الدّين على احترامها، ويستبسل في سبيلها، ويزيح عن طريقها ما يقف أمامها من مصالحه ومنافعه).

فإن هدف الإسلام بناء نفسيّةٍ سليمةٍ زكيّةٍ، ولكنَّ هذا البناء لا يتمّ إلا من خلال العمل، وهو تطبيق الإنسان أحكام الله على نفسه، وتجسيدها في سلوكه في سبيل الله؛ هذا مع العلم أنَّ الأبحاث الفكريّة والعلوم النّفسيّة والأخلاقيّة قد أثبتت أنَّ للأعمال الخارجية تأثيراً على المحتوى الداخلي للإنسان، يقول تعالى: ((كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلوبِهِمْ ما كانوا يَكْسِبونَ)).

يقول العلامة الطّباطبائي (قده): ((ويظهر من الآية: أولاً: أنّ للأعمال السّيّئة نقوشاً وصوراً في النّفس تنتقش وتتصوّر بها. ثانياً: أنَّ هذه النّقوش والصّور تمنع النّفس أن تدرك الحق كما هو، وتَحول بينها وبينه. ثالثاً: أنَّ للنّفس بحسب طبعها الأوليّ صفاءً وجلاءً تدرك به الحق كما هو، وتميّز بينه وبين الباطل، وتفرّق بين التّقوى والفجور، قال تعالى: ((وَنَفْسٍ وَما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجورَها وَتَقْواها))..)).

وقد دلّت روايات كثيرة على تأثير الأعمال السّيئة على محتوى الإنسان الداخليّ لما تتركه من آثار سيّئة وظلمات يتراكم بعضها على بعض حتى تكون حجاباً عن رؤية الحق، وقبول الفيض الإلهي، وقد ورد عن الإمام الباقر (ع) أنّه قال: ((ما مِنْ عَبْدٍ إِلا وَفي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، فَإِذا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ في النُّكْتَةِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، فَإِنْ تابَ ذَهَبَ ذلِكَ السَّوادُ، وَإِنْ تَمادى في الذُّنوبِ زادَ ذلِكَ السَّوادُ حَتّى يُغَطّي الْبَياضَ، فَإِذا غُطّيَ الْبَياضُ لَمْ يَرْجِعْ صاحِبُهُ إِلى خَيْرٍ أَبَداً، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ((كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلوبِهِمْ ما كانوا يَكْسِبونَ))..)).

إذن اتّضح لنا أنَّ العمل له تأثيرٌ على المحتوى الداخلي للإنسان سلباً أو إيجاباً؛ فإذا كان سيّئاً انعكس على النّفس كدورات وظلمات تجعل القلبَ قاسياً فظّاً غليظاً محجوباً عن قبول النّور والفيض الإلهي، وإن كان صالحاً كان أثره صلاحاً، وصفاءً، ونورانيّةً، وشفافيّةً، يقول الإمام الخميني (قده): ((يكون إخلاص العمل موجباً لخلوص القلب، فإذا صار العمل خالصاً تظهر على مرآة القلب أنوار الجلال والجمال)).

حدّد الإسلام في برنامجه التّربويّ الأخلاقيّ، بل في جميع مبادئه وأحكامه، الأعمالَ الصّالحة، والأعمالَ الطّالحة، وترك للإنسان حريةَ الاختيار في سلوك أيّ السّبيلين، قال تعالى: ((إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمّا شاكِراً وَإِما كَفوراً)). ((وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ)). وقال أمير المؤمنين (ع): ((إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ أَنْزَلَ كِتاباً هادِياً بَيَّنَ فيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، فَخُذوا نَهْجَ الْخَيْرِ تَهْتَدوا، وَاصْدِفوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدوا... [إلى أن قال (ع):] اتَّقوا اللهَ في عبادِهِ وَبِلادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْؤولونَ حَتّى عَنِ الْبِقاعِ وَالْبَهائِمِ، أَطيعوا اللهَ، وَلا تَعْصوهُ، وَإِذا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذوا بِهِ، وَإِذا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضوا عَنْهُ)).

ولما كان لكلّ من السّبيلين عوامل مساعدة في داخل النّفس الإنسانيّة؛ فالإسلام يهدف إلى صياغة إنسان تنتصر فيه قوى الخير والتّقوى على قوى الشّر والفجور، وهذا لا يتمّ إلا بتصفية الإنسان نفسه من أوضار الأهواء (الماديّة، والمعنويّة)، وهذه هي المرحلة الأولى من مراحل السموّ والكمال الروحي، وبذلك تصبح النّفسُ مهيّأةً لقبول النّور الإلهيّ، وصالحةً لتطبيق مبادئ السّماء على ذاتها، وعلى المجتمع تطبيقاً سليماً، ويكون دافعها الامتثال لأمر الله تعالى؛ لتحقيق إرادته في الأرض دون طلب أيّ مكسب ماديّ أو معنويّ سوى وجه الله، يقول الشّهيد الثّاني (قده): ((والأمرُ الجامع للإخلاص تصفية السّرّ عن ملاحظة ما سوى الله تعالى بالعبادة؛ قال الله تعالى: ((فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدّينَ * أَلا للهِ الدّينُ الْخالِصُ))..)).

وهذا هو الإخلاص التامّ لله تعالى، وبهذا المعنى يصحّ قول أصحاب القلوب السّليمة: إنّ الإخلاص (هو ستر العمل عن الخلائق، وتصفيته عن العلائق)، يقول أمير المؤمنين (ع): ((طوبى لِمَنْ أَخْلَصَ للهِ عَمَلَهُ، وَعِلْمَهُ، [وَحُبَّهُ،] وَبُغْضَهُ، وَأَخْذَهُ، وَتَرْكَهُ، وَكَلامَهُ، وَصَمْتَهُ، وَفِعْلَهُ، وَقَوْلَهُ)). ويقول (ع): ((تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ، وَتَخْليصُ النّيَّةِ مِنَ الْفَسادِ أَشَدُّ عَلى الْعامِلينَ مِنْ طولِ الْجِهادِ)). فالإخلاص إذن هو: التّحرّر المطلق من قيود الأهواء النّفسيّة الماديّة والمعنويّة، والتّحرّك الجدّي الفاعل في طريق الله تعالى؛ لتحقيق إرادته عزَّ وجلَّ دون طلب شيء سوى رضاه تعالى. والإخلاص يشمل جميع جوانب حياة الإنسان: الفكريّة، والأخلاقيّة، والسّياسيّة، والاجتماعيّة.

الإخلاصتزكية النفسرضا اللهالعمل الصالحصراع النفس

أقرأ أيضاً

الفرق بين حمل القرآن والعمل به

الفرق بين حمل القرآن والعمل به

العمل بالقرآن يهدي الإنسان وينقذه ويصلح نفسه، أمّا حمل القرآن فهو القيام برسالته في المجتمع، وتعليمه للناس، والسعي لهدايتهم وربطهم بكلام الله وحملة القرآن منزلتهم أرفع، لأنهم يجمعون بين العمل بالقرآن والنهوض برسالته ونشر نوره بين الناس، ولذلك وردت في فضلهم روايات عظيمة.

معرفة الإمام قبل زيارته

معرفة الإمام قبل زيارته

يبيّن هذا النص أن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) لا تقتصر على الحضور الجسدي، بل تتحقق حقيقتها بمعرفته حق المعرفة والاقتداء به.

نهاية أغنى رجل يموت جوعًا

نهاية أغنى رجل يموت جوعًا

تبيّن القصة أن التعلّق المفرط بالمال قد يقود الإنسان إلى الهلاك، حيث لم تنفع الثروة صاحبها عندما واجه الموت، لتكون عبرة بأن المال وسيلة لا غاية، وأن الغفلة عن القيم الحقيقية قد تنتهي بخسارة كل شيء.