شروط مجاهدة النفس عند الإمام الخميني-3

تتناول محاضرة الشيخ جميل الربيعي الشرط السادس والأخير من شروط مجاهدة النفس كما طرحه الإمام الخميني في كتابه “الأربعون حديثاً”، وهو “السيطرة على الخيال”. ويُقصد به قدرة الإنسان على التحكم بخواطره وأفكاره وعدم ترك ذهنه يتنقل بلا ضابط بين التصورات والأوهام والرغبات.

توضح المحاضرة أن النفس الإنسانية تتعرض باستمرار لخواطر وواردات متنوعة، تشبه “البرقيات” التي تتوارد على الذهن، حتى عندما يكون الإنسان منفرداً في مكان مغلق أو بعيداً عن الناس. وهذه الخواطر ليست من نوع واحد، بل تنقسم إلى قسمين: خواطر رحمانية تدعو إلى الخير والطاعة والإحسان، وخواطر شيطانية تدعو إلى الشر والمعصية والانحراف.

فالخواطر الرحمانية قد تدفع الإنسان إلى قراءة القرآن، أو بر الوالدين، أو مساعدة الفقراء، أو إصلاح المجتمع، وهي تُعد طريقاً إلى الله تعالى. أما الخواطر الشيطانية فهي من وساوس الشيطان التي يحذر منها القرآن الكريم في سورة الناس: ﴿من شر الوسواس الخناس﴾، وهي التي تفتح باب المعصية والانحراف.

ومن هنا تأتي أهمية “السيطرة على الخيال”، أي أن يتعلم الإنسان كيف يميز بين هذه الواردات، وكيف يصدّ الخواطر الشيطانية ويقوّي الخواطر الرحمانية. وتؤكد المحاضرة أن هذا الأمر يتحقق عبر الاستعاذة بالله تعالى، واستحضار معاني الربوبية والعبودية والألوهية الواردة في قوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس﴾.

فالاستعاذة بـ”رب الناس” تعني الالتجاء إلى التربية الإلهية التي ترعى الإنسان وتقومه، والاستعاذة بـ”ملك الناس” تعني استشعار العبودية الكاملة لله تعالى، وأن الإنسان مملوك لله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، أما الاستعاذة بـ”إله الناس” فهي استحضار الحاكمية الإلهية المطلقة على النفس والوجود.

وتلفت المحاضرة إلى أن بعض المدارس النفسية الحديثة حاولت تعليم الإنسان كيفية ضبط أفكاره والتركيز الذهني، إلا أن المنهج الإسلامي يمتاز بأنه لا يقتصر على التمرين العقلي، بل يبني الإرادة والعزم والبصيرة والنور القلبي من خلال العلاقة بالله تعالى.

ثم تعرض المحاضرة الوسائل العملية للسيطرة على الخيال، وأهمها توجيه الفكر والخيال نحو “الأمور الشريفة”، كالفضيلة والعفة والعلم والإحسان وخدمة الناس وبناء العلاقات الاجتماعية الراقية. فالإنسان إذا ملأ ذهنه بالأهداف السامية، قلّت مساحة الخواطر الوضيعة والمنحطة.

كما تؤكد المحاضرة أهمية “البصيرة” في هذا المجال، إذ قد يملك الإنسان بصراً لكنه يفتقد البصيرة، فيتحرك خلف الأوهام والشهوات من دون وعي. أما صاحب البصيرة فيعرف كيف يوجّه خياله نحو ما ينفعه في الدنيا والآخرة.

وتربط المحاضرة بين السيطرة على الخيال وبين “حضور القلب” في الصلاة، موضحة أن كثيراً من الناس يعانون من تشتت الذهن أثناء العبادة بسبب عدم تدريب النفس على ضبط الخواطر. أما الأنبياء والأئمة فقد بلغوا درجة عالية من السيطرة على الفكر والخيال، حتى كانوا ينقطعون بكامل قلوبهم إلى الله أثناء الصلاة.

وتختم المحاضرة بالتأكيد على ضرورة اليقظة والفطنة تجاه تسويلات النفس، ومعرفة أن كل وارد شيطاني قد يقود الإنسان إلى الهلاك، ولذلك يحتاج المجاهد لنفسه إلى الاستعانة المستمرة بالله تعالى، كما في دعاء الإمام زين العابدين: “اللهم إنا نعوذ بك من نزغات الشيطان الرجيم وكيده ومكائده…”.

الخيالمجاهدة النفسالإمام الخمينيالمشارطةالمراقبةالمحاسبة

أقرأ أيضاً

التدبر في عواقب الأعمال لإصلاح النفس

التدبر في عواقب الأعمال لإصلاح النفس

تتناول المحاضرة أهمية التدبر في عواقب الأعمال قبل الإقدام عليها، واعتباره من أساليب مجاهدة النفس وتهذيبها. كما تؤكد أن إصلاح الإنسان لنفسه يحتاج إلى إرادة داخلية وجدية حقيقية، وأن المواعظ الخارجية لا تنفع من لا يملك واعظاً ذاتياً يدفعه إلى التغيير والإصلاح.

موقف الإسلام من الحياة الدنيا

موقف الإسلام من الحياة الدنيا

إن الإسلام لا يرفض الدنيا ولا يدعو إلى الانقطاع عنها، كما لا يسمح بالاستغراق في لذاتها. بل يقدّم رؤية متوازنة تجعل الدنيا مزرعة للآخرة ومجالاً للمسؤولية والعمل والابتلاء، فيجمع الإنسان بين حاجاته المادية ومطالبه الروحية، ويستثمر الحياة طريقاً للكمال والقرب من الله.

قبضة الهدى في كلام الآصفي

قبضة الهدى في كلام الآصفي

وصف لشهداء قبضة الهدى الشيخ عارف البصري وأخوته الأبرار