
ضمن المخطط الاستكباري لتقزيم الحركة الإسلامية الكبرى ودفن ذكرى السيد الشهيد الصدر لابد أن يكون لنا في مواجهة هذا المخطط موقف سليم من قبل من لم تشغله الدنيا ولم ينسَ ولا تناسى المواقف البطولية لقادتنا الأبرار وعلى رأسهم الشهيد الصدر، ولا كلام لنا مع من انشغل بالهوامش دون الجواهر.
ففي مثل هذه الليلة 17 رجب جاء الهجوم الغاشم من قبل حزب العفالقة على بيت السيد الشهيد الصدر واعتقلوه هو ومن معه من طلابه وأصحابه وكان يوماً مشهوداً ضرب فيه السيد الشهيد الصدر أعلى درجات التحدي في الدنيا حيث قال لجلاوزة صدام وجهاً لوجه وبقوة: (أي سلطة هذه؟! وأي نظام هذا؟! إنكم كممتم الأفواه وصادرتم الحريات، وخنقتم الشعب بقوة الحديد والنار.. تريدون شعباً ميتاً يعيش بلا إرادة، تريدون شعباً بلا كرامة، وحين يعبر شعبنا عن إرادته، وحين يتخذ موقفاً من قضية ما، وحينما تأتي عشرات الآلاف من أبناء شعبنا؛ لتعبر عن ولائها للإسلام والمرجعية، تقوم قائمتكم، فلا تحترمون شعباً، ولا ديناً، ولا قيماً، بل تلجؤون إلى القوة لتكموا الأفواه، وتصادروا الحريات، وتسحقوا كرامة الشعب، أين الحرية التي تدعونها، وجعلتموها شعاراً من شعاراتكم؟ أين هذا الشعب الذي تدعون أنكم تدافعون عنه وتحمون مصالحه؟ أليس هؤلاء الآلاف الذين جاؤوا ليعبروا عن ولائهم للمرجعية هم أبناء العراق؟! لماذا يستولي الرعب والخوف على قلوبكم إن عبرت الجماهير يوماً عن إرادتها ورغبتها؟).
ولكي لا ننسى صرخة الشهيدة بنت الهدى في تحدي الجلاوزة الذين جاؤوا لاعتقال السيد الشهيد - والذين تجاوز المائتين من قوات الأمن - مخاطبة مدير أمن النجف قائلة: (جئتنا في هذا الفجر حسبت أن أهل النجف نائمون، لا يا أبا سعد، إنك على خطأ كبير، وماذا يريد هذا الجيش من الرجال، يكفي أنت ومعك شخص أو شخصان لتأخذوا أخي، ما الذي جناه أخي؟ ما ذنبه حتى تأتوا لاعتقاله؟ وفي هذه الساعة المبكرة من الصباح؟ إنه لم يبل ريقه بشيء من الفطور بعد.. إن مجيئكم في هذه الساعة دليل على خوفكم من السيد وخوفكم من الشعب، ماذا عند أخي حتى تخافوا منه كل هذا الخوف، انظروا –وأشارت إلى الجلاوزة المدججين بالسلاح ورشاشات الكلاشنكوف- أخي وحده بلا سلاح، بلا مدافع، بلا رشاشات، أما أنتم فبالمئات مع كل هذا السلاح، هل سألتم أنفسكم لِمَ هذا العدد الكبير، ولِمَ كل هذه الأسئلة، أنا أجيب والله لأنكم تخافون، ولأن الرعب يسيطر على قلوبكم، والله إنكم تخافون، لأنكم تعلمون أن أخي ليس وحده، كل العراقيين معه، وقد رأيتم ذلك بأعينكم.
ادخلوا فتشوا البيت، فليس عندنا قنابل ولا دبابات ولا أي سلاح، وأنتم تعلمون ذلك.. إن السيد ليس لديه سوى أم وأخت وزوجة وأطفال.. وليس لديه أي سلاح إلا سلاح الإيمان بالله.. وأنتم تخافون من هذا.. وإنكم برغم ما أنتم عليه من قوة وسلاح تخافون هذا الشعب الأعزل، وإلا لماذا تعتقلون فرداً واحداً لا يملك جيشاً ولا سلاحاً بكل هذا العدد من القوات... إننا والله لا نخاف من شيء، لا منكم، ولا من غيركم، لا نخاف من سجونكم، ومعتقلاتكم، ومرحباً بالموت إذا كان في سبيل الله.
ولكن اعلم يا أبا سعد أن الناس لا بد أن يستيقظوا.. إنهم لن يبقوا نياماً.. وإذا اعتقلتم أخي في هذا الوقت، فإن الناس سوف يعلمون.. افهم كلامي يا أبا سعد.. إن الناس سوف يستيقظون من نومهم ويهبّون من سباتهم)
ثم وجهت خطابها إلى أخيها: (اذهب يا أخي، فالله حافظك وناصرك فهذا طريق أجدادك الطاهرين).
وما أن أخذوا السيد الشهيد الصدر حتى ذهبت بنت الهدى إلى ضريح جدها أمير المؤمنين (ع) وهي تنادي بأعلى صوتها: (الظليمة.. الظليمة يا جداه، إني أشكو إلى الله وإليك، لقد اعتقلوا ولدك الصدر، يا جداه، إني أشكو إلى الله وإليك ما يجري علينا من ظلم واضطهاد)
ثم خاطبت الحاضرين فقالت: (أيها الشرفاء المؤمنون، هل تسكتون وقد اعتقل مرجعكم؟ هل تسكتون وإمامكم بسجن ويعذب؟ ماذا ستقولون غداً لجدي أمير المؤمنين إن سألكم عن سكوتكم وتخاذلكم، اخرجوا وتظاهروا)
وعندما أراد منعها أحد خدام الحضرة وكان متعاوناً مع السلطة قائلاً: (اسكتي لا تثيري الضجة)، ردته بعنف قائلة: (ماذا قلت حتى تحاول منعي من الكلام، أنا جئت أشكو ظلامتي إلى جدي... يا أعوان الظلمة، أنا أقف أمام ضريح جدي أمير المؤمنين وإني لأرجو الله أن يأتي اليوم الذي تنال فيه جزاءك العادل، وإني لأرى ما تضعه على رأسك هذا يداس بالأقدام)، وانهال عليه الناس بالضرب، فولى هارباً. (كتاب محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة: 4/150-153)
تلك هي ذكرى السابع عشر من رجب والتي اهتز لها العراق وخرجت مظاهرات في مختلف أنحاء العراق حيث انطلقت في النجف الأشرف أولاً ثم انطلقت في الكاظمية بعد صلاة العشاء، وفي مدينة الثورة بعد اعتقال السيد قاسم المبرقع والسيد عباس الشوكي والسيد حسن النوري، وفي مدينة السماوة حيث انطلقت المظاهرة من الجامع الكبير في منطقة الشرقي مروراً بالسوق الكبير حتى وصلت إلى بيت الشيخ مهدي السماوي، وفي مدينة الفهود حيث تقدمهم عالم المنطقة الشيخ محمد علي الجابري، وفي محافظة ديالى في الخالص بعد اعتقال الشيخ هاني الثامر من حسينية عليبات، وفي جديدة الشط في ديالى أيضاً حيث ألهب المشاعر السيد حسين الشامي بإعلانه عن اعتقال السيد الشهيد الصدر، وفي ديالى أيضاً في جيزاني الجول.. كما قامت مظاهرات خارج العراق في كل من الإمارات، وإيران، ولبنان، وفرنسا، وأبرق المراجع كل من السيد الكلبايكاني والسيد المرعشي النجفي والسيد عبد الله الشيرازي للسيد الخوئي يؤكدون على ضرورة العمل لمعرفة وضع السيد محمد باقر الصدر.
تلك هي بإيجاز ما وقع في 17 رجب، والعجب العجاب أن تنسى هذه المناسبة من قبل المؤمنين الذين عاشوها فضلاً عن الذين سمعوا بها.

