

تتناول هذه الكلمة التأبينية التي ألقاها الشيخ جميل الربيعي في الذكرى الخامسة عشرة لرحيله يوم الخميس 26 ذو القعدة 1447هـ الموافق 14 آيار 2026م: شخصية الشيخ مجيد الصمري بوصفه نموذجاً فريداً للعالم الرسالي والخطيب المجاهد الذي كرّس حياته لخدمة الإسلام والدعوة والهداية، وارتبط اسمه بجيل العلماء والمجاهدين الذين واجهوا نظام البعث في العراق خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
ويبدأ المتحدث باستحضار علاقته القديمة بالشيخ مجيد منذ عام 1980، عندما كان ضمن صفوف العاملين في مقاومة نظام صدام حسين، مشيراً إلى مجموعة من العلماء الذين شاركوه هذا الطريق، مثل الشيخ حسن فرج الله، والسيد عبد الرحيم الشوكي، والسيد كاظم الحائري، والشيخ محمد باقر الناصري وغيرهم من رموز الحركة الإسلامية في العراق.

ويؤكد أن الشيخ مجيد لم يكن مجرد خطيب أو عالم دين، بل كان يعيش همّ الإسلام “في حلّه وترحاله”، فلم يكن يهدأ أو يستقر إلا وهو منشغل بالدعوة والإرشاد وخدمة الناس. فقد كان دائم الحركة والتنقل بين المدن والقرى والأهوار، يسعى للوصول إلى الناس البسطاء والمحرومين، ويعتبر الهداية مسؤولية شخصية لا تنفصل عن حياته اليومية.
ومن أبرز الصفات التي ركّزت عليها الكلمة: امتلاكه روح الظرافة وسرعة البديهة، إذ كان يستخدم الطرفة والنكتة اللطيفة وسيلةً لتليين القلوب وجذب الناس إلى الخطاب الإسلامي، حتى في أشد الظروف قسوة. وقد رويت حادثة لطيفة مع السيد محمد باقر الصدر بعد تعرضه للأذى من النظام، حيث استطاع الشيخ مجيد أن يخفف عن السيد الصدر ويُدخل السرور عليه بكلمة طريفة، فقال له السيد: “جزاك الله خيراً فرجت عني”.

كما تبرز الكلمة جانباً مهماً من شخصيته، وهو الاستقامة السلوكية والصفاء الروحي، حيث تصفه بأنه كان منضبطاً في حياته كلها، في سلوكه وتنظيمه وعلاقاته وأخلاقه، حتى يصعب العثور على ثغرة أخلاقية أو فكرية في شخصيته.
وتتوقف المحاضرة عند شجاعته في مواجهة البعثيين، سواء داخل العراق أو خارجه. فقد كان من أصحاب المواقف الحادة الصلبة التي لا تعرف المساومة على حساب الدين. ومن الأمثلة التي أوردها المتحدث: إقامته مجلساً بعنوان “أنت تسأل والإسلام يجيب” رداً على فعالية بعثية بعنوان “أنت تسأل والحزب يجيب”، متحدياً السلطة علناً بخطابه الإسلامي الحاد.
كما تتناول فترة هجرته إلى كندا، حيث تولى إمامة مسجد الإمام علي في تورنتو، واستطاع أن يجذب الجاليات العراقية واللبنانية والخليجية إلى المسجد بخطابه وتأثيره الروحي. ثم تشير إلى موقفه الشهير بعد فتوى الإمام الخميني بقتل سلمان رشدي، إذ سأله الأمن الكندي عن رأيه، فأجاب بوضوح: “لو ظفرت به الآن لقتلته”، مع علمه الكامل بتبعات هذا الموقف على وضعه القانوني في كندا، مما أدى إلى بقائه سنوات طويلة بلا استقرار قانوني.
وتختم الكلمة بالتأكيد أن شخصيات مثل الشيخ مجيد الصمري، والسيد عبد الرحيم الشوكي، والشيخ حسن فرج الله، وعبد الجبار البصري، هي شخصيات صنعت نهضة إسلامية حقيقية في العراق، وأنها لا تموت برحيل أصحابها، بل تبقى رموزاً حيّة في الذاكرة والوجدان الإسلامي، لأنهم دفعوا أعمارهم وتضحياتهم ثمناً للمشروع الإسلامي والوعي الرسالي.
