تتناول محاضرة الشيخ جميل الربيعي في الليلة الثالثة من شهر محرم الحرام 1448هـ معالم ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وتؤكد أن هذه الثورة لم تكن حادثة تاريخية عابرة، بل مشروعاً إلهياً خالداً حمل علامات واضحة جعلته مستمراً في الوجدان الإنساني إلى يومنا هذا. وتبدأ المحاضرة بالسؤال عن أبرز المعالم التي خلدتها ثورة الحسين، ثم تعرض مجموعة من العلامات الأساسية.
المعلم الأول هو الهدفيّة الواضحة. فكل عمل عظيم يحتاج إلى هدف واضح وخطة محددة، ومن لا يملك هدفاً يصبح كالريشة في مهب الريح. وقد أعلن الإمام الحسين عليه السلام هدفه منذ اللحظة الأولى لخروجه، حين قال: إنه لم يخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرج لطلب الإصلاح في أمة جده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسير بسيرة رسول الله وأمير المؤمنين. وبذلك يتضح أن هدف الثورة لم يكن طلب الحكم لذاته، ولا المنافسة على السلطان، بل إعادة الدين إلى مساره الصحيح، وحماية معالم الإسلام من التحريف الأموي.
وتؤكد المحاضرة أن الحسين عليه السلام أراد بردّ المعالم من الدين أن يعيد الأمة إلى القرآن وسنة النبي، وأن يظهر الإصلاح في البلاد، ويأمن المظلومون، وتقام الفرائض والسنن والأحكام. فثورته كانت مشروعاً لإحياء الإسلام المحمدي الأصيل، لا حركة سياسية محدودة.
المعلم الثاني هو التحدي. فقد وقف الإمام الحسين في وجه دولة واسعة تملك القوة والمال والجيوش، لكنه رفض أن يخضع لها. وتستعرض المحاضرة موقفه في المدينة عندما طلب واليها البيعة ليزيد، وكيف رفض الإمام البيعة، وواجه مروان بن الحكم بقوة، معلناً أن الإسلام لا يمكن أن يستقيم إذا ابتليت الأمة بحاكم مثل يزيد. وهذا التحدي لم يكن انفعالاً، بل موقفاً مبدئياً نابعاً من وعي كامل بخطورة الانحراف.
المعلم الثالث هو رفض أنصاف الحلول. فقد حاول كثيرون أن يقنعوا الإمام الحسين بالسكوت أو الاعتزال أو الذهاب إلى مكان آمن، لكنه رفض المهادنة على حساب الدين. فالمداهنة والمجاملة التي تؤدي إلى ضياع الحق ليست من منهج أهل البيت. ومن هنا كانت ثورته رفضاً واضحاً لأي تسوية تُبقي الظلم وتحفظ للباطل سلطته.
المعلم الرابع هو تجاوز حدود الزمان والمكان. فثورة الحسين لم تبق محصورة في كربلاء أو سنة 61هـ، بل تجاوزت الجغرافيا والتاريخ، حتى صارت حاضرة في كل أرض وزمان، وأصبح شعار “يا حسين” نداءً عالمياً للحرية والكرامة. ولهذا تُقام مجالسه ومواكبه في مختلف بلاد العالم، لأن الحسين صار رمزاً إنسانياً يتجاوز الحدود.
المعلم الخامس هو الخلود والاستمرار. فقد حاولت دول وحكومات كثيرة إطفاء ذكر الحسين ومنع زيارته ومجالسه، لكنها فشلت؛ لأن الله أراد لهذه الثورة أن تبقى محركاً للوجدان الإسلامي والإنساني. فكلما حاول الطغاة دفنها ازدادت حضوراً وتأثيراً.
ومن معالمها أيضاً أنها محفز ثوري للمحرومين والمستضعفين، ورمز لكل ثورة على الظلم، ومصدر إلهام للتضحية والفداء. فقد قدم الحسين نفسه وأهل بيته وأصحابه ليبقى الإسلام حياً، واختار موت الجسد على موت الرسالة.
وتختم المحاضرة بأن ثورة الحسين صارت ميزاناً وصمام أمان من الانحراف؛ فمن سار على خطها كان حسينياً، ومن ادعى الحسين وهو ينهج نهج يزيد فقد كشفته الثورة نفسها. وبذلك تبقى عاشوراء معياراً للحق، ودعوة دائمة إلى الإصلاح والكرامة ومقاومة الظلم.
