تتناول محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها في حسينية الحاج عبود النجم في النجف الأشرف يوم الأربعاء 7/صفر/1448هـ ظلامة الإمام الحسن عليه السلام، وتؤكد أن من أعظم مظاهر هذه الظلامة سوء فهم موقفه من معاوية، حتى اتهمه بعض معاصريه بالضعف وإذلال المؤمنين، مع أن موقفه كان قائماً على الحكمة والتخطيط لحفظ الإسلام وشيعة أهل البيت عليهم السلام.
وتنطلق المحاضرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: «الحسن والحسين إمامان، قاما أو قعدا»، لتبين أن الإمامة ثابتة لهما في حال الحرب والسلم، وأن اختلاف مواقف الأئمة لا يعني اختلاف أهدافهم. فالإمام علي عليه السلام عاش مجاهداً بين السيف والمحراب، والإمام الحسن هادن معاوية، والإمام الحسين ثار وقاتل، لكن الجميع عملوا لتحقيق هدف واحد هو حفظ الدين وإعادة الأمة إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وآله.
وتشير المحاضرة إلى ما قرره العلماء من أن الحسن والحسين وجهان لعملة واحدة؛ فالإمام الحسن اضطلع بدور الصابر الحكيم، والإمام الحسين بدور الثائر الكريم. وقد كان لكل واحد منهما موقف يناسب ظروف زمانه، لتتكامل الخطة الرسالية.
وتبين المحاضرة أن الإمام الحسن لم يعقد صلحه مع معاوية ضعفاً أو عجزاً، وإنما هادنه كما هادن رسول الله صلى الله عليه وآله بعض القبائل وقريشاً في صلح الحديبية. وقد أوضح الإمام الحسن لأصحابه أن معاوية وأتباعه كانوا كفاراً بالتأويل، وأن الحكمة من موقفه قد تخفى على الناس، كما خفيت حكمة أفعال الخضر على النبي موسى عليه السلام.
وقد بلغ سوء فهم بعض الناس لموقف الإمام الحسن أن خاطبه بعضهم بقولهم: «يا مذل المؤمنين»، أو اتهموه بتسويد وجوههم، مع أن الإمام كان يرى ما لا يرونه من تفرق الجيش وخيانة القادة واستعداد المشروع الأموي لاستئصال شيعة أهل البيت. وقد صرح بأن موقفه حفظ حياة شيعته، ولولا ما فعله لما بقي منهم أحد على وجه الأرض.
وتعرض المحاضرة النتائج الكبرى لهدنة الإمام الحسن، وفي مقدمتها كشف معاوية وإسقاط القناع الديني الذي كان يتستر به. فقد أعلن معاوية بعد استقرار الحكم له أنه لم يقاتل الناس ليصلوا أو يصوموا، وإنما قاتلهم ليتأمر عليهم، وأن الشروط التي التزم بها للإمام الحسن أصبحت تحت قدميه. وبذلك ظهر للناس أن المشروع الأموي لم يكن مشروعاً دينياً، بل كان مشروعاً سلطوياً يهدف إلى الاستيلاء على الحكم ومحو ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله.
كما حفظ الإمام الحسن دماء شيعته، وهيأ الأجواء التاريخية والسياسية لثورة الإمام الحسين. ولذلك قيل إن شهادة كربلاء كانت حسنية في التخطيط، حسينية في التنفيذ، وإن يوم الهدنة كان مقدّمة ليوم الطف.
وتختم المحاضرة بذكر شهادة الإمام الحسن بالسم، وما لقيه جنازته من الاعتداء ومنعها من الدفن عند جده رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى رميت بالسهام، ثم دفن في البقيع. وتبقى ظلامته متجددة في هدم قبره وإهمال سيرته وعدم فهم عظمة موقفه الرسالي.

