تدور محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها في الكوفة في ليلة عيد الغدير الأغر 1447هـ حول عيد الغدير بوصفه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب بولاية أمير المؤمنين عليه السلام. وتبدأ بتهنئة المسلمين بهذا اليوم العظيم، ثم تستحضر خطبة النبي صلى الله عليه وآله في غدير خم، حين أعلن للناس قرب رحيله بقوله: “يوشك أن أُدعى فأجيب”، ثم قال: “وإني مسؤول وإنكم مسؤولون”، ليؤكد أن الغدير ليس مجرد حادثة تاريخية، بل مسؤولية دينية مستمرة.
وتشير المحاضرة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله، بعد عودته من حجة الوداع، أوقف الحجيج في غدير خم، وأمر المتقدمين أن يرجعوا والمتأخرين أن يلتحقوا، في جو شديد الحرارة، ثم صعد المنبر وأخذ بيد علي عليه السلام وقال: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله”. وهذا الإعلان النبوي يمثل أصل الولاية ومسؤولية الأمة تجاهها.
وتؤكد المحاضرة أن يوم الغدير ينبغي أن يُفهم بوصفه “يوم المسؤولية”، لا مجرد يوم احتفال ظاهري أو مظاهر سطحية من تصفيق وصخب لا تنسجم مع مقام أمير المؤمنين عليه السلام. فالغدير يطالب المؤمن أن يسأل نفسه: هل أنا موالٍ حقيقي؟ وما صفات الموالي في فكر أهل البيت؟
وتعرض المحاضرة أول صفة من صفات الموالي، وهي التسليم والانقياد المطلق لله ورسوله وأمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام. والتسليم ليس مجرد لفظ، بل هو أن يسلّم الإنسان نفسه ووجوده وقراره لطاعة الله وأوليائه. وتستشهد المحاضرة بكلام أمير المؤمنين عليه السلام في بيان حقيقة الإسلام، حيث يربط الإسلام بالتسليم، والتسليم باليقين، واليقين بالتصديق، والتصديق بالأداء، والأداء بالعمل. فالولاية لا تنفصل عن العمل والطاعة.
ثم توضح أن وليّ محمد وآل محمد هو من أطاع الله، وإن بعدت قرابته، وأن عدوهم هو من عصى الله، وإن قرب نسبه. فالمعيار الحقيقي ليس الادعاء ولا النسب ولا الشعارات، بل الطاعة والاستقامة.
أما الصفة الثانية فهي محبة أمير المؤمنين عليه السلام، وتؤكد المحاضرة أن حب علي عنوان صحيفة المؤمن يوم القيامة، وأنه مقياس إيماني يفصل بين الولاء الحقيقي والنفاق. ولكن هذا الحب ليس عاطفة مجردة، بل حب يثمر طاعة واقتداء ونصرة.
والصفة الثالثة هي النصرة، أي أن ينصر المؤمن أهل البيت بلسانه وقلبه وعمله وسلوكه، وأن يكون مظهراً مشرفاً لخطهم. أما الصفة الرابعة فهي الاستقامة والثبات على خط الولاية، لأن كثيرين قد يدّعون الولاية وهم يسيرون في خط الظالمين أو يطرقون أبوابهم، وهذا لا ينسجم مع حقيقة الموالاة.
وتختم المحاضرة بحديث الإمام الحسن العسكري عليه السلام الذي يوصي الشيعة بأن يكونوا زيناً لأهل البيت لا شيناً عليهم، وذلك بالورع، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الخلق، وطول السجود. فالموالي الحقيقي هو الذي إذا رآه الناس قالوا: هذا شيعي، فيسرّ ذلك أهل البيت.
وبذلك تؤكد المحاضرة أن مسؤوليتنا في الغدير هي أن نجذب الناس إلى ولاية أهل البيت بأخلاقنا وسلوكنا، لا أن نسيء إلى صورتهم بالادعاء الفارغ أو السلوك المنحرف.

