تنطلق محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها في أحد مساجد النجف الأشرف في يوم الجمعة 20 ربيع الثاني 1448هـ من قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، لتناقش مشكلة أساسية في واقع المجتمع الإسلامي، وهي الفهم الناقص لحقيقة الدين، الذي يؤدي إلى ضعف الالتزام بأحكامه، واختزاله في مجموعة من الشعائر والعبادات، دون إدراك امتداده إلى مختلف مجالات الحياة.
وتوضح المحاضرة أن الصلاة والصيام والحج وسائر الشعائر أجزاء مهمة من الدين، لكنها لا تمثل حقيقته الكاملة. كما ترفض حصر الدين في العلاقة الفردية بين الإنسان وربه؛ لأن الإسلام، بحسب ما تعرضه المحاضرة، ينظم أربع علاقات مترابطة: علاقة الإنسان بالله، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بالمجتمع، وعلاقته بالطبيعة. وتنبثق العلاقات الثلاث الأخيرة من العلاقة الأساسية بالله تعالى.
وتؤكد أن الدين نظام شامل للحياة، يرافق الإنسان منذ بداية تكوينه حتى وفاته، وينظم علاقاته الأسرية والاجتماعية، وسلوكه الشخصي، ومعاملاته الاقتصادية، ومواقفه السياسية، وآداب طعامه وشرابه ونومه وحديثه. وتستشهد بالأحكام الفقهية المتعلقة بالحقوق العامة، ومنها أحكام الطرق المشتركة، للدلالة على أن التشريع الإسلامي لا يقتصر على العبادات الفردية، بل يتناول مصالح المجتمع وحقوق أفراده.
وتتوقف المحاضرة عند البعد الإنساني في الإسلام، مستشهدة بموقف أمير المؤمنين عليه السلام من المحتاج غير المسلم، وبوصيته إلى مالك الأشتر التي يؤكد فيها ضرورة الرحمة بالرعية، لأنهم «إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق». وتستخلص من ذلك أن الإسلام يراعي كرامة الإنسان وحقوقه بصرف النظر عن انتمائه الديني، وأن العدالة واجبة حتى في التعامل مع الخصوم والأعداء.
ثم تعود المحاضرة إلى مفهوم الفطرة الوارد في الآية الكريمة، لتبين أن الدين منسجم مع أصل الخلقة الإنسانية، وأنه ليس مجموعة من العادات والتقاليد الموروثة فحسب، بل منهج يوجه الإنسان نحو الاستقامة والكمال.
وتستعرض المحاضرة نماذج من العلماء الذين أدركوا شمولية الإسلام وعملوا على إبرازها في الواقع، ومنهم نصير الدين الطوسي، ثم تركز على فكر السيد الشهيد محمد باقر الصدر، الذي رفض اختزال الدين في الكلمات الجامدة والطقوس التقليدية، وقدمه بوصفه عقيدة وكياناً ومنهجاً للتفكير.
كما تستشهد بكلام أمير المؤمنين عليه السلام في بيان حقيقة الإسلام، الذي يربط الإسلام بالتسليم، والتسليم باليقين، واليقين بالتصديق، والتصديق بالأداء، والأداء بالعمل؛ لتؤكد أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن الممارسة والسلوك.
وتشير المحاضرة إلى أن شمولية الإسلام تجعله مشروعاً إصلاحياً يتجاوز التعبد الفردي إلى معالجة الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وتستحضر في هذا السياق رؤية الشهيد الصدر للدين باعتباره قوة لتغيير الواقع الفاسد وإقامة واقع سليم، مع التأكيد أن الإصلاح يبدأ من داخل الإنسان، انسجاماً مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
وتختتم المحاضرة بالدعوة إلى إعادة دراسة الدين دراسة واعية وشاملة، والاهتمام بفهم الأحكام الشرعية ومقاصدها وآثارها العملية، ولا سيما في مجتمع النجف الأشرف بما يمتلكه من تراث علمي وحوزوي. فالمطلوب تجاوز التدين الشكلي إلى وعي إيماني يجعل الإسلام منهجاً حاضراً في حياة الفرد والأسرة والمجتمع، ويحول المعرفة الدينية إلى التزام أخلاقي وعمل إصلاحي.


