تتناول محاضرة الشيخ جميل الربيعي في الليلة السادسة من شهر محرم الحرام 1448هـ موقف الإمام الحسين عليه السلام مع أصحابه ليلة العاشر من المحرم، حين جمعهم وخطب فيهم قائلاً إنه لا يعلم أصحاباً أوفى من أصحابه، ولا أهل بيت أبرّ وأفضل من أهل بيته. ثم أخبرهم بأن القوم لا يريدون غيره، وأذن لهم بالانصراف في ظلمة الليل، وجعلهم في حلّ من بيعته وذمامه.
وتوضح المحاضرة أن هذا الموقف يكشف الفرق بين القيادة الإلهية والقيادات السياسية أو العسكرية المعتادة. فالقادة عادة يستعملون وسائل متعددة لدفع الجنود إلى القتال؛ منها الإغراءات المادية، كالمال والمناصب والرتب، أو التهديد والإكراه، أو الحيل النفسية والإعلامية. أما الإمام الحسين فلم يستعمل شيئاً من ذلك، بل أعلن لأصحابه الحقيقة كاملة: أن الطريق ينتهي إلى الشهادة، وأن من بقي معه فمصيره القتل.
ومن هنا تظهر عظمة أصحاب الحسين؛ لأنهم لم يبقوا طمعاً في غنيمة، ولا خوفاً من عقوبة، ولا طلباً لظهور أو شهرة، بل بقوا وعياً وإيماناً وإخلاصاً. وقد أعلن الإمام منذ خروجه من مكة أن له مصرعاً هو لاقيه، وقال لبني هاشم: من لحق بي استشهد، ومن تخلف لم يدرك الفتح. فالمسألة لم تكن غامضة، بل كانت واضحة منذ البداية.
وتؤكد المحاضرة أن قيمة العمل في الإسلام ليست في ظاهره أو نتائجه فقط، بل في الدافع والنية. فقد يقاتل إنسان ليقال شجاع، أو يتعلم ليقال عالم، أو ينفق ليقال كريم، ولكن ذلك لا قيمة له عند الله إذا لم يكن خالصاً. أما أصحاب الحسين فكانت دوافعهم لله وفي الله، ولذلك بلغوا مقاماً لا يسبقهم فيه سابق ولا يلحقهم لاحق.
وتعرض المحاضرة أبرز صفاتهم. الصفة الأولى هي الوعي الإيماني الكامل لفريضة الجهاد؛ فقد فهموا أن الجهاد ليس سفك دماء، بل ذوبان في الله وتسليم له. والصفة الثانية هي التضحية من دون إغراء ولا تهديد، حتى ورد أن أصحاب الحسين لم يجدوا ألم الحديد، لأن عشق الشهادة غلب إحساس الجسد.
والصفة الثالثة أنهم لم يهتموا بالخطر المحيط بهم، مع علمهم بأن الموت قريب منهم. فقد صار الموت عندهم طريقاً إلى الله، لا نهاية مرعبة. والصفة الرابعة أنهم كانوا من أهل البصائر، أي لم يكونوا مجرد شجعان، بل كانوا يحملون عقيدة واعية، ولذلك قيل عنهم إنهم حملوا بصائرهم على أسيافهم.
أما الصفة الخامسة فهي سمو الدوافع؛ فلم يقاتلوا لمصلحة ولا لمنصب ولا لسمعة، بل لله وحده. كما تشير المحاضرة إلى أن هؤلاء لم يكونوا من عامّة الناس، بل كانوا من وجوه القوم وأهل الفضل، مثل حبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة، وزهير بن القين، الذي تحوّل بلطف الله من موقف سابق بعيد عن خط أهل البيت إلى شهيد بين يدي الحسين.
وتختم المحاضرة بذكر وفاء أصحاب الحسين عند الشهادة، خصوصاً مسلم بن عوسجة حين أوصى حبيباً بالحسين لا بأهله وعياله، ثم موقف الحسين بعد استشهادهم، إذ ناداهم واحداً واحداً: يا ليوث الهيجاء، يا فرسان الوغى. وبذلك صار أصحاب الحسين النموذج الأعلى للوعي والوفاء والتضحية الخالصة.


