صفات عبيد الدنيا


تدور محاضرة الليلة الرابعة من شهر محرم الحرام 1448هـ للشيخ جميل الربيعي حول كلمات الإمام الحسين عليه السلام: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً»، وقوله: «إن الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون». وتؤكد أن هذه الكلمات ليست خطاباً عاطفياً، بل بيان حسيني عميق يكشف حقيقة الإنسان عند الامتحان.

تشرح المحاضرة أولاً معنى أن الموت في سبيل الله سعادة؛ فهو ليس فناءً ولا خسارة، بل انتقال من ضيق الدنيا إلى رحاب الله. فالشهيد لا يُعد ميتاً بالمعنى الحقيقي، بل هو حي عند ربه، كما قال تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾. ولهذا كان الحسين يرى الشهادة كرامة وسعادة، لأنها موت في طريق الحق والدين والكرامة.

ثم تبيّن أن الحياة ليست قيمة مطلقة، بل قيمتها بما تحمله من معنى. فهناك حياة مع المؤمنين والأحرار، وهي حياة كريمة، وهناك حياة مع الظالمين، وهي ذلّ وندم وانغماس في مستنقع الرذيلة. فالذي يرضى بالعيش تحت سلطان الظالمين، أو يبرر ظلمهم، أو يشاركهم، يعيش حياة ميتة وإن كان جسده حياً.

وتقف المحاضرة عند معنى الظلم، فتوضح أن الظلم لا يقتصر على الحكام، بل كل معصية لله هي ظلم للنفس، غير أن المقصود في كلام الحسين هنا هو الظلم السياسي والاجتماعي الذي يمارسه الحكام الفاسدون وأعوانهم، حين يحكمون الناس بالباطل ويستذلونهم.

ثم تنتقل المحاضرة إلى قول الحسين: «الناس عبيد الدنيا». والمقصود أن بعض الناس يجعلون الدنيا معبودهم الحقيقي، لا بالسجود لها، بل بالخضوع لشهواتها ومصالحها، فيبيعون دينهم وكرامتهم من أجل مال أو منصب أو جاه. وهؤلاء يكون الدين عندهم “لعقاً على الألسن”، أي كلاماً ظاهرياً لا يصل إلى القلب ولا يتحول إلى موقف.

وتوضح المحاضرة أن الإنسان قد يظهر متديناً ما دامت مصالحه محفوظة، فإذا جاء الامتحان الحقيقي سقط وتراجع. ولذلك قال الإمام: «فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون»، لأن المحنة تكشف الصادق من المدعي.

وتعرض المحاضرة صفات عبيد الدنيا، ومنها أن ظاهرهم جميل وباطنهم فاسد، وأنهم يخافون الناس في طاعة الله، ويطيعونهم في معصية الله، وأنهم يبيعون الكثير من الآخرة بالقليل من الدنيا، ويعرفون ظاهر الحياة ويغفلون عن حقيقتها، ولا يتلذذون بالعبادة، ويفرحون بالمدح ولو كان كذباً، ويغضبون من النقد ولو كان حقاً.

كما تبيّن المحاضرة أن الإسلام لا يذم امتلاك الدنيا إذا كانت وسيلة للخير، كما في الإنفاق، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، وخدمة الناس. وإنما يذم أن تتحول الدنيا إلى غاية تستعبد الإنسان وتجعله يدور حول شهواته ومصالحه.

وتختم المحاضرة بالعودة إلى كربلاء، حيث جسّد الحسين عليه السلام المعنى الأعلى للحرية، فرفض حياة الذل مع الظالمين، واختار الشهادة لتبقى الرسالة حية. ومن هنا صار الحسين ميزاناً يفرّق بين عبد الله وعبد الدنيا، وبين الحياة الكريمة والحياة الذليلة.

عبيد الدنياالدين لعقالإمام الحسينعاشوراءاصحاب الحسينالدنيامحرم

شاهد أيضاً

الإشاعة سلاح العاجزين والفاشلين

الإشاعة سلاح العاجزين والفاشلين

تتناول المحاضرة خطر الإشاعة بوصفها سلاحاً نفسياً هداماً يعتمد الكذب والتضخيم وتشويه الحقائق لإسقاط الأشخاص والجهات. وتبيّن دوافعها، كالنقص والفشل والمصالح والتخطيط المعادي، ثم تؤكد ضرورة مواجهتها بالحكمة، والثقة بالله، وتحليل الخبر، وضبط السلوك، وحرمة نشر ما يسيء إلى المؤمنين.

الدنيا المذمومة في منطق الإسلام

الدنيا المذمومة في منطق الإسلام

إن الإسلام لا يرفض الدنيا بإطلاق، بل يرفض الاستغراق فيها وجعلها غاية نهائية. فالدنيا المحمودة هي التي تُتخذ وسيلة للتكامل والعبادة والتزود للآخرة، أما الدنيا المذمومة فهي التي تستحوذ على قلب الإنسان وتغرقه في الشهوات والغرور حتى تعمي بصيرته عن الحق والآخرة.

الانشغال بعيوب النفس وترك تتبع عيوب الناس

الانشغال بعيوب النفس وترك تتبع عيوب الناس

تتناول المحاضرة خطورة انشغال الإنسان بعيوب الآخرين ونسيانه عيوب نفسه، وتبين أن هذه الخصلة تؤدي إلى الغيبة والتشهير والقسوة الاجتماعية. وتؤكد ضرورة محاسبة النفس، وستر عيوب الناس، والنظر إليهم بعين الرحمة، لأن إصلاح الذات أولى من مراقبة الآخرين وتتبع زلاتهم.